د. محمد بن عوض المشيخي
أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

وجدت الحكومات منذ فجر التاريخ لخدمة المواطنين ورعاية مصالحهم والسهر على حقوقهم والعمل على توفير حياه كريمة لهم، وذلك انطلاقا من القاعدة الدارجة التي تؤكد عليها السلطات التنفيذية الحاكمة في معظم دول العالم ومفادها “إن الوظيفة تكليف قبل أن تكون تشريفا”، ولكن واقع الحال في دولنا العربية مختلف تماما؛ فالوزير يتغير 180 درجة، فينفصم عن محيطه بمجرد وصوله إلى كرسي الوزارة، إلا من رحم ربك. وأول القرارات التي تتخذ من هؤلاء المسؤولين عند تولي المنصب الجديد، العمل بأسرع وقت على قطع العلاقات مع الأصدقاء والأقارب الذي كان يعيش في كنفهم وبينهم منذ سنوات خلت قبل التوزير؛ والسبب في ذلك يرجع إلى نظرته للكرسي الذي يراه أكبر منه شخصيًا.

ولا شك أن الثقافة المجتمعية السائدة هي التي أفرزت هذا الوضع وساعدت على ترسيخ تلك البيئة غير السليمة؛ فالمواطن العربي يقدس المسؤول ويبجله حتى ولو ظلمه، على الرغم أنه يدرك أن وصوله لم يكن بجدارة للمنصب، بينما يتوقع المسؤول الغربي الانتقاد من المواطن في وظيفته العامة مما يقوده إلى تجويد عمله وتأديته على أحسن وجه؛ حتى يتجنب المساءلة القانونية من الجهات الرقابية.

لقد ابتلينا بمرض خبيث يعشعش في معظم الوزارات الخدمية اسمه الروتين في تأخير تخليص إجراءات المراجعين، وهذا الوباء المستورد انتقل إلى السلطنة عبر الخبراء والمستشارين في الجهاز المدني الذين استعانت بهم الدولة في بداية النهضة، وقد استوطن هذا الوباء في عقول الموظفين، فالجديد منهم يتعلم من القديم. ولا شك أن الضحية هو المراجع الذي قد يقطع مئات الكيلومترات من أجل إنهاء بعض المعاملات؛ فيعاني من الخسائر المادية والنفسية بسبب التأخير في إنجاز الوثائق والأوراق التي يتطلب اعتمادها من الوزارات المختصة أياما أو أسابيع في أحايين كثيرة.

ومن المفارقات العجيبة أن معظم الوزارات قد أغلقت أبوابها أمام المراجعين منذ بضع سنوات. فاستحدثت ما يعرف (بدوائر المراجعين) التي هي عبارة عن بريد يستلم الرسائل وترجع هذه الطلبات والالتماسات في معظمها بتعليق موحد من الوزير أو الوكيل بعبارة معروفة مقدما (الاعتذار للمذكور أعلاه)، بينما نجد صغار الموظفين وحتى بعض المسؤولين يتمتعون بأوقاتهم داخل المكاتب الفارهة، بهدوء وسكينة بعيدا عن إزعاج المراجعين المغلوب على أمرهم؛ على الرغم أن وجود الموظفين أثناء الدوام الرسمي في مقر العمل في الأساس هو لمقابلة ومناقشة طلبات المواطنين بصراحة وشفافية وجها لوجه، وليس الهروب خلف الأبواب المغلقة لشرب الشاي ومتابعة رسائل وسائل التواصل الاجتماعي.

ولقد تابعنا جميعا قبل أيام قليلة أحد المواطنين يناشد أحد الوزراء المختصين بالشؤون المحلية والخدمية عبر منصة (تويتر) راجيا أن تفتح له الأبواب ويحظى بمقابلة مدتها 30 دقيقة فقط، وذلك لكي يشرح موضوعه لمعاليه والذي قد يكون قضية عامة لا خاصة.

ومن المؤسف حقا هو حال بعض الوزراء الذين أحاطوا أنفسهم برؤساء مكاتب ومنسقين وبطانة لا تطيق حتى رؤية المواطن المسكين بالقرب من مكتب الوزير بملابسه المتواضعة وسجيته المعهودة؛ لكي لا يعكر مزاج صاحب المعالي بطلباته التي لا تنتهي. وبسبب هذا الإغلاق الشامل، أصبح المواطن يلجأ إلى طرق أخرى لعله يحظى بمقابلة الوزير حتى ولو في الشارع، إذ أصبح الانتظار في الطابور منذ الصباح الباكر في الموقف المخصص لسيارة الوزير ظاهرة في بعض الوزارات والهيئات الحكومية، فصاحب الحظ السعيد من هؤلاء المراجعين هو الذي يتمكن من شرح مشكلته في دقائق معدودة في حضرة الوزير أو الوكيل.

لقد أدركت القيادة الحكيمة لهذا البلد المعطاء، أهمية التواصل الحكومي مع المواطنين خاصة المستفيدين من الخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة للمجتمع، وانطلاقا من أهمية استمرار لقاءات المسؤولين بالمواطنين وكافة مؤسسات المجتمع المدني، وجه صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء في شهر ديسمبر من العام الماضي بقيام الوزراء والوكلاء والمحافظين والولاة بإجراء لقاء دوري ومستمر مع المشايخ والأعيان والمواطنين في جميع المحافظات للوقوف على احتياجات الولايات من الخدمات والمشاريع التنموية، والاستئناس بآرائهم بما يخدم الخطط والبرامج في تلك المحافظات، فالمواطن شريك أساسي مع الحكومة في صنع القرارات المتعلقة برؤية 2040.

لقد أثلجت صدورنا جميعا هذه الأوامر الحكيمة التي أتت من أعلى هرم في السلطة، وهي بلا شك توحي بمرحلة جديدة وغير مسبوقة من الشراكة الحقيقية، فهذه التوجيهات السامية قد وضعت النقاط على الحروف حول العلاقة بين الحكومة ممثلة بالوزراء والمجتمع؛ فلم يعد المواطن بعد اليوم في الخانة الصفرية التي لا وزن لها. وعلى المسؤولين جميعا فتح جسور التواصل مع جميع الأطراف ذات العلاقة لخدمة المصلحة العامة للوطن، فمقابلة المواطن والاستماع إلى مطالبه والوقوف على احتياجاته في المكتب وليس في الشارع؛ حق من الحقوق الأساسية التي يجب أن يمتثل إليها المسؤولين في هذا البلد العزيز، ولا يمكن أن يكون ذلك بأي حال من الأحوال كرم من المسؤول الحكومي بل ذلك واجب وطني.

وهنا استذكر موقفا من أجمل ما سمعت في روائع السلطان قابوس -طيب الله ثراه- في العدل والمحافظة على حقوق المواطن الضعيف أمام جبروت المتنفذين من المسؤولين؛ قصة ذكرها لي شخصيا أحد المواطنين الذي كان يشغل وظيفة مدير عام في إحدى الوزارات، وتم عزله من منصبه بقرار من الوزير. ومرت الأيام وقد سنحت الفرصة لهذا الشخص المعزول من الوظيفة العامة مقابلة السلطان أثناء جولته التفقدية لأحد المناطق في عقد التسعينات من القرن الفائت، فقد رفع المواطن مظلمته للسلطان مباشرة، مشتكيا بذلك الوزير الذي كان حاضرا في الجولة ضمن الوزراء. وبمجرد رواية القصة؛ أمر السلطان بمثول الوزير والجلوس بجنب المواطن كمدعي عليه وجها لوجه بحضور الشيوخ والأعيان والمرافقين من المسؤولين في تلك الجولة. وبسبب هذه القضية أمر السلطان قابوس فورًا بتأسيس محكمة إدارية لتفصل بين الحكومة والمواطنين في القضايا الخلافية بين الطرفين، وذلك لأول مرة في تاريخ السلطنة، بحيث تكون قضية هذا المواطن أول قضية تعرض على المحكمة الجديدة.

وبالفعل صدر المرسوم السلطاني رقم 99/91 بإنشاء محكمة القضاء الإداري التي أصبحت لاحقا صرحا من صروح النهضة العمانية المتجددة، ورمزا من رموز العدالة بين المتخاصمين في السلطنة. فهذه المحكمة تأتي في مقدمة المؤسسات الحكومية في نشر العدالة وإحقاق الحق، فهي بحق مفخرة للجميع.

وفي الختام، يجب أن نتذكر جميعا أن المناصب ستزول يوما ما ولن يبق سوى الأثر الطيب والأعمال الصالحة، فقد قال أحد العارفين منذ زمن بعيد: “لو دامت لغيرك ما وصلت إليك”.

فلنعمل كفريق متكاتف من أجل الوطن، فعمان تستحق منا الأفضل، ولنكن مخلصين لهذا التراب المقدس.

Powered by the Echo RSS Plugin by CodeRevolution.