علي عبادي
في مقالة بصحيفة واشنطن بوست تناول فيها أسباب زيارته الى المنطقة المقررة الأسبوع المقبل والموضوعات التي سيتناولها خلالها، قدّم الرئيس الأميركي مقاربة شاملة موجزة لأهم قضايا المنطقة. ونعرض هنا أبرز الملاحظات بشأنها:

– حرص بايدن في مقالته على القول بأنه يدفع منذ وصوله الى الرئاسة قبل عام ونصف إلى تحقيق إيجابيات في منطقة “الشرق الأوسط”، لكنه يُظهر مراراً أنه رئيس يقع تحت ضغط إقتصادي- إنتخابي متفاقم ومشغولٌ بفكرة الصراع مع سلفه دونالد ترامب الذي أشار إليه في المقالة مرات عدة. وتشير إستطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية بايدن إلى أدنى مستوى لها بسبب ازدياد نسبة التضخم المعيشي في بلاده، وهو يحاول من جانبه إلقاء المسؤولية على عاتق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب تداعيات حرب أوكرانيا. في الأثناء، يستعد ترامب للقفز إلى مِقود القيادة الأميركي من جديد، متسلحاً بالمصاعب الإقتصادية وعدم نجاح حكومة بايدن في معالجة الأزمة الأوكرانية. وستكون الانتخابات النصفية للكونغرس في الخريف موشراً إلى طبيعة مزاج الناخبين الاميركيين وسط ترجيحات بسيطرة الجمهوريين مجدداً على مجلسي النواب والشيوخ.

– لم يقدم بايدن خلال عهده حلولاً لأزمات “الشرق الأوسط”، وكل الإشارات الإيجابية التي عرضها في مقالته عن تحسن الأحوال في المنطقة خلال الفترة الماضية من رئاسته لا تخرج عن محاولة تسكين الوضع في فلسطين واليمن وعدم زيادة التوتر الذي يشتّت انتباه أميركا. لكنه في المقابل يرفع احتمالات المواجهة من خلال وضع دول عربية واسرائيل في مواجهة إيران.

– في اليمن لا توجد هدنة إنسانية، الوضع المعيشي البائس على حاله، والحصار مستمر. السعودية قد يريحها وضع “لا سلم ولا حرب”، لأنها لا تستطيع تقبّل تسوية تكرس أنصار الله لاعبا رئيسياً في هذا البلد. ولهذا، تدفع باتجاه وضع المراوحة والتأخير في تنفيذ أبسط الإتفاقات الجزئية المتعلقة بفتح الطرقات وتبادل الأسرى وتنظيم الرحلات الجوية بين مطار صنعاء ومطارات محدودة متفق عليها.

– في فلسطين، قادة العدو المتعاقبون وآخرهم لابيد، لا يرضون بلقاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس علناً ولا يريدون طَرْق باب المفاوضات مجدداً (نهج نتنياهو مستمر حتى إشعار آخر)، وما يريدونه هو التنسيق الأمني مقابل تمرير تسهيلات معيشية للفلسطينيين.

– أشار بايدن إلى أن إدارته تريد عكس مسار ترامب مع إيران، من خلال العودة إلى الاتفاق النووي، لكنها لغاية اليوم ترفض إزالة الكثير من العقوبات التي فرضها ترامب.

– هناك إشارة في المقالة إحتسبها بايدن إنجازاً له وتتعلق بكونه أول رئيس أميركي يسافر مباشرة من فلسطين المحتلة إلى جدة في السعودية (على الأرجح أن مسؤولين أميركيين مثل جاريد كوشنر فعلوها في السنتين الماضيتين). وهذه الخطوة ضمن خطوات أكثر أهمية تفيد بأن الرياض تتسلل على رؤوس أصابعها باتجاه التطبيع مع العدو، وتعتمد على إسقاط الحواجز النفسية للمواطنين السعوديين والراي العام العربي والإسلامي قبل أن تُقْدم “حكومة خادم الحرمين الشريفين” على تطبيع العلاقات رسمياً مع الكيان الغاصب.

– ثمة حاجة لدى بايدن إلى تقديم تعهدات جديدة بالدعم المعزَّز لإسرائيل التي تبدو في حيرة وقلق بسبب إشارات إلى احتمال التوصل الى اتفاق نووي بين الدول الست وإيران. ويبدو أن رعاية “حلف دفاعي” أو “ميني دفاعي” بين الكيان الصهيوني ودول عربية هي جائزة الترضية التي ستمنحها إدارة بايدن للكيان المؤقت، فضلاً عن التباهي برفع قيمة الدعم له الى أكثر من أربعة مليارات دولار سنوياً.

– لم يستطع بايدن التخلص من إتهام معلّقين أميركيين له بأنه تراجع عن تعهداته بمحاسبة ولي العهد السعودي على انتهاكاته ونهجه العنيف بحق المعارضة. إقتصرت العقوبات على منع عدد من رجاله القَتَلة من دخول أميركا، بينما يفرض عقوبات أقسى على دول أخرى في قضايا مشابهة على أساس قانون ماغنتسكي. مرة أخرى، تثبت أميركا في موضوع حقوق الإنسان أنها دولة شعارات في سياستها الخارجية، لزوم الإستغلال والإبتزاز.

الإنطباع الغالب في الولايات المتحدة أن زيارة بايدن أمْلتها ظروف بلاده الداخلية وفي مقدمها ارتفاع الشكوى من ازياد أسعار المحروقات والمواد الإستهلاكية وسخط الجمهور الأميركي على الحكومة لعدم مبادرتها الى معالجة الوضع، وهذا يستدعي تقديم تنازلات لولي العهد السعودي من أجل زيادة إمدادات النفط، علماً أن الرئيس الاميركي حين تولى الرئاسة لم يهاتف بن سلمان إستمراراً لمواقف انتخابية أطلقها تعقيباً على جريمة تصفية الصحافي جمال خاشقجي. ومنذ أسابيع، يجهد بايدن لإصدار توضيحات بأنه لن يجري لقاء ثنائياً مع بن سلمان خلال الزيارة، وإن كان سيلتقيه في اجتماع عام، بهدف الحفاظ على ورقة التوت التي يأمل أن تصون شعارات إدارته التي تركز على أولوية حقوق الإنسان في العالم.

Powered by the Echo RSS Plugin by CodeRevolution.